قناة الراصد الفضائية

انقسام مؤلم.. محمد عبد الجبار الشبوط

من المؤسف، بل المؤلم جدا، هذا الانقسام المجتمعي الحاد بين العراقيين، على الاقل في التواصل الاجتماعي، حول مسألة اغتيال قاسم سليماني وابي مهدي المهندس.
فقد انقسم العراقيون فورا الى فريق شامت بمقتل الرجلين، مقابل فريق حزين عليهما.
وجاء هذا الانقسام امتدادا لانقسامات سياسية سابقة، ما كان لها ان تنسحب على قضية من هذا النوع.
لقد برز اسم الرجلين في المعركة التي خاضاها، بل قادا بعض صفحاتها المهمة، ضد داعش واحتلاله لمساحات واسعة من ارض العراق في عام ٢٠١٤.
كنت في بغداد اثناء التمدد الداعشي، وشاهدت بعيني كيف كانت العاصمة على وشك السقوط بين المتوحشين الداعشيين، لولا فتوى الامام السيستاني، وهبة المؤمنين بالفتوى، ومسارعة اصحاب الرجلين الى ساحات الوغى، والتصدي السريع للعدوان.
ومع ان بقية روايات البطولة والشجاعة معروفة، بمشاركة القوات المسلحة العراقية بكافة تشكيلاتها، الرسمية والشعبية، الا ان صورة الرجلين بقيت محاطة بهالة اقرب الى الرومانسية وهو يسطرون صفحات التضحية والاقدام حتى تحقق النصر للعراقيين في معركة الحياة والوجود والتحرير التي خاضوها ضد داعش.
واليوم، وبعد اقدام الولايات المتحدة على ارتكاب جريمتها النكراء باغتيال ايقونتي النصر، يحدث هذا الانقسام بين صفوف الناس بشكل مثير للاسى والحزن.
لقد عمل صدام بكل قسوة على جعل “قادسية صدام” مقياسا للوطنية بزعمه، ولكن ما احرانا ان نجعل “معركة التحرير” المقياس الحقيقي للوطنية والاخلاص والشجاعة والاباء.
لكن هذا الانقسام الحاد يكشف عن نسيان سريع لمعنى هذه المعركة الخالدة، ودلالاتها العظيمة ومكانة الذين شاركوا فيها، واستشهدوا في طريقها. ولعل التاريخ سوف يكشف لاحقا ان عملية اغتيال القائدين هي من فصول المعركة مع داعش.
يكشف هذا الانقسام عن ازدواجية في المعايير والكيل بمكيالين. فبعض الناس يتهم الذين شاركوا بالعملية السياسية بعد عام ٢٠٠٣ بانهم من “ذيول” الولايات المتحدة الذين جاءوا الى العراق مع الدبابات الاميركية، لكن هذا البعض، او ربما غيرهم، لا يتردد في اظهار الفرح لمقتل الرجلين ورفاقهم بالصواريخ التي انطلقت من الطائرات الاميركية. ولا ادري كيف تكون حرب اسقاط صدام جريمة، واغتيال قادة النصر في الحرب ضد داعش بطولة؟
لم يمض وقت طويل على “نهاية” المعركة ضد داعش، وهو وقت لا يكفي لنسيان ابطالها وقادتها وجنودها ورواياتها وقصصها. وقت لا يكفي لاظهار الفرح بمقتل هؤلاء على يد دولة تزعم انها تقود الحرب العالمية ضد الارهاب، فالرجلان ليسا ارهابيين باي مقياس اعتمدنا.
لا بأس بالاختلاف بين العراقيين حول الاحزاب، وقانون الانتخابات، والنظام الرئاسي، وغير ذلك من امور الحياة السياسية اليومية، لكن لا يصح الاختلاف حول المعركة ضد داعش. وهذا الانقسام حول واقعة اغتيال الرجلين دليل ملموس حول هذا الانقسام غير المقبول، لانه ليس اختلافا في الرأي، انما هو اختلاف في فهم التاريخ وروايته، ونحن من ضحايا الاختلاف في فهم التاريخ وروايته الى درجة القول ان سيدنا يزيد بن معاوية قتل سيدنا الحسين بن على.
لا ينبغي ان يكون موضعَ خلاف القولُ ان المعركة ضد داعش هي من اشرف المعارك التي خاضها العراقيون خلال المئة سنة الاخيرة، ولا ينبغي تشويه صورة هذه المعركة بالاساءة الى من دعا اليها وخاضها وقادها وشارك فيها وحقق النصر فيها، فضلا عن التورط بقتلهم غيلة.
لقد ارتكبت الولايات المتحدة خطأً كبيرا بارتكاب هذه الجريمة البشعة والمنكرة، ولا يصح ولا يتوقع من عراقيين وطنيين ان يفرحوا لهذه الجريمة ويرقصوا لها ويبتهجوا ويفرحوا بنتائجها. لا ينبغي ان نهين رموز هذه المعركة بهذه الطريقة المؤلمة.
لا ادري كيف يتحقق الاندماج المجتمعي والوحدة الوطنية في ظل هذا الانقسام الحاد؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.