قناة الراصد الفضائية

الحسين ليس زعيما شيعيا

الحسين ليس زعيما شيعيا

 

حين رفض الامام الحسين البيعة ليزيد خلفا لابيه معاوية، واعلن الثورة عليه، لم يفعل ذلك بوصفه شيعيا، او بوصف يزيد سنيا. انما اتخذ موقفه بوصفه  مواطنا مسلما في دولة اسلامية يفترض ان يكون حاكمها صالحا بالمقاييس والمعايير الاسلامية التي كان الحسين يعرفها اكثر من غيره. وبموجب هذه المعايير لم يجد الحسين ان يزيد رجل مؤهل لتولي منصب الخلافة الذي تولاه لاول مرة ابو بكر الصديق بوصفه “خليفة رسول الله”، ومن هنا جاء مصطلح “الخلافة” التي جعلت خلافةً للرسول، في الفقه السياسي الاسلامي. عرفها الماوردي (٣٦٣-٤٥٠ هجرية) بانها “موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”. و عرفها ابن خلدون (٧٣٢-٨٠٨ هجرية) بانها “حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الاخروية والدنيوية”. وقال القلقشندي (٧٥٦-٨٢٠) انها تطلق على “الزعامة العظمى، وهي الولاية العامة على كافة الامة والقيام بامورها والنهوض باعبائها”. فلم يكن بوسع الحسين، وهو اعلم اهل زمانه بالحلال والحرام، ان يقبل بان يكون يزيد “خليفة رسول الله” وقد تحولت الخلافة في عهده، كما تنبأ الرسول، الى “ملك عضوض”، كما في الحديث الذي يرويه ابو داود والترمذي من ان الخلافة “ثلاثون سنة ثم مُلك بعد ذلك” حين استولى عليها بنو امية الذين وصفهم الصحابي سفينةُ، مولى رسول الله،  بانهم “ملوك من شر الملوك”.

اذاً، يندرج فعل الامام الحسين ضمن قائمة الاصلاح السياسي وهو الذي كتب في وصيته الى اخيه محمد المعروف بابن الحنفية كما يروي صاحب البحار: “أني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي”.

جسد الحسين، بمصطلحات عصرنا، موقف “المثقف الفعال” الذي يجد نفسه، بحكم علمه وثقافته، مسؤولا عن احوال مجتمعه وامته، وان يبادر الى العمل والتضحية اذا ساءت الاحوال من اجل الاصلاح وتصحيح المسار. وفي هذا، لا يكون الموقفُ طائفيا ولا مذهبيا ولا شيعيا ولا سنيا؛ بل لم تكن هذه المصطلحات متداولة انذاك كما نتداولها اليوم. وبهذا المعنى، تكون ثورة الامام الحسين من الاحداث التي سجلها تاريخ المسلمين، وليس من الاحداث التي تخص الشيعة فقط. لكن التطورات والصراعات السياسية والعقائدية والفقهية ومن ثم الطائفية والمذهب التي شهدها التاريخ الاسلامي، حولت الحدث الى مناسبة تخص الشيعة فقط، الى درجة اثارة التوتر بين الشيعة والسنة في العصور الماضية. ويسجل التاريخ انه في  عاشر المحرم، سنة ٣٥٣  أغلقت الأسواق ببغداد، وأظهر الناس الحزن، فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة جرح فيها كثير، ونهبت الأموال، كما يقول ابن الاثير (ت٦٣٠). ويبدو لي، بقدر اطلاعي، ان هذا هو اول صدام بين الشيعة والسنة في العراق توالت بعده الصدامات بين الطائفتين.

اما اليوم، وبعد مرور حوالي ١٤٠٠ سنة على هذا الحدث، ما احرانا ان نعيد موضعته في التاريخ والوجدان الاسلامي بوصفه حدثا يمثل الثورة ضد الفساد والظلم، ونخرجه من الدائرة الشيعية الضيقة الى الدائرة الاسلامية الاوسع، ليكون مناسبة احتفال لكل دعاة الاصلاح في المجتمع. وهذه مسؤولية الطرفين الشيعة والسنة على حد سواء. فاما الشيعة فعليهم ان يطرحوا الموضوع بهويته الاساسية بوصفه حركة اصلاحية غير طائفية ولا تخص الشيعة فقط، واما السنة فيقومون بالتعامل مع الموضوع بوصفه حدثا اسلاميا عاما يخصهم ايضا. هذا، الى ان يكون بامكان الطرفين ان يحتفلا معا بالذكرى بصورة مشتركة وموحدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.