قناة الراصد الفضائية

الحسينُ (ع) مصلحا

 

إن أول مهمة اصلاح واجهت المسلمين، كانت إصلاح الحال التي عمت بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان(رض)، حيث سقطت المدينة المنورة بأيدي المتمردين، الذين توجهوا فورا إلى علي(ع) يبايعونه بالخلافة، ولكنه رفض بيعتهم، وبعد الحاحهم، قال لهم: إن البيعة لا تكون خفيّةً، يجب أن تتمّ في المسجد، ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين، وبهذا الموقف خط عليه السلام أولى صفحات الإصلاح في تاريخ المسلمين، حيث أُريد منه أن يقبل بيعة مجموعة مسلحة، غيرت الحال بقوة السلاح، قتلت خليفة مبايع، بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت في عهده، وهي أخطاء ترتبت على مخطط أموي رسمه معاوية وانصاره، وتبايع خليفة آخر، أي تبدأ لعبة السلطة والانقلابات، علاوة على أن في الجماعة المسلحة اشخاص قتلوا ولا بد من أن يعاقبوا على فعلتهم، ولكن أبا الحسن(ع) الإمام الواضح الصريح، حدد الخطأ، وسعى إلى تصحيح الأمور، وفعلا صححها وأعادها شورى، تقوم على أن الحاكم يحكم بإرادة الأمّة الحرة، وليس بإرادة قوة متغلبة، فالتغلب لا يعطي للمتغلب مشروعية تنصيب حاكم للمسلمين، أو خلعه.

سار الامام الحسن(ع) على المسار نفسه عندما بايعه المسلمون بعد اشتهاد ابيه، فبعد ان جرح الإمام علي(ع) وقبيل استشهاده، جاءه وجهاء الأمّة من كبار الصحابة، وطلبوا منه أن يوصي بالخلافة من بعده للإمام الحسن، فقال يومها قوله الشهير: لا آمركم ولا أنهاكم، فأكد بقوله لا آمركم، على حرية الامة وحقها في اختيار من تراه لإدارة شأنها، بل أكّد واجبها في الحفاظ على حريتها والذود عنها، لأنها هبة مقدسة من الله جل وعلا، فالإسلام حرر الانسان، الولاية فيه لله جل وعلا ومن أمر هو سبحانه وتعالى، أو رسوله(ص) بولايته، وبعد ذلك لا ولاية لأحد على أحد، المسلمون أحرار فيما يختارون أو يرفضون، على هدى الشريعة طبعا، وفي قول علي(ع) لا أنهاكم، أكّد على أن لا حق لأحد في مصادرة حرية الامة بالقوة والاكراه.

لقد واجه الامام الحسن(ع) بعد مبايعته خليفة للمسلمين التيار الاموي نفسه الذي أوصل الأمور إلى التصادم واشعال نار الفتنة، وكانت تتنازع المجتمع المسلم يومها قوتان، قوة الإسلام الرسالي التي انهدّ اقوى أركانها باستشهاد علي(ع)، وكانت تندرج في حراكها قوى إسلامية راديكالية، لم تكن منساقه انسياقا تاما في المسار الذي رسمه علي(ع)، ولم تكن معارضه لمساره في الوقت نفسه، حاول الامام الحسن(ع) أن يتدارك الأمور بعد حدث الاستشهاد الجلل، إلا أن الواقع كان قد التحق بمعظمه بالقوة الثانية القبلية، التي تندرج في حراكها تيارات لم تفارق الإسلام ولكنها لا تتورع عن توظيفه في تحقيق مصالحها، أو هي ليست مستعدة لدفع أي ثمن قد يترتب على موقفها، حينها اضطر الحسن الى الصلح، ولكنه اشترط على معاوية أن يعود الامر بعد موت معاوية شورى، ولكنه عليه السلام توفي قبل وفاة معاوية، فالتزم الامام الحسين(ع) بالشرط الذي صالح عليه الامام الحسن معاوية، ألّا ان هذا الأخير ضرب بشرط الإصلاح ذلك عرض الحائط، ونصب ابنه يزيد وليا للعهد، ليكون ملكا من بعده، فخرج الامام الحسين(ع) مصلحا في الاتجاه نفسه الذي رسمه ابوه وسار عليه اخوه عليهم السلام جميعا

بدون شك أن أهل البيت ع، وبالخصوص الخمسة الذين تغطى معهم رسول الله ص بكسائه، هم ثلة طاهرة، حملت الرسالة كما هي، لتنقلها الى أجيال الامة، وان مسار علي والحسن والحسين عليهم السلام يؤكد هذه الحقيقة، إلا ان ما ميز مسار الحسين(ع) في كربلاء انه لم يكن مسارا تصادميا انتهى بفاجعة فحسب، وانما كان أيضا آخر الدواء، ففي عهد علي والحسن(ع) كانت الامة منقسمة بين موال للإصلاح الذي اراداه ومتقاعس عنه، اما في عهد الحسين(ع)، الغيت الامة تماما، ليس سوى إرادة الحاكم هي التي تشكل مسار الامة على وفق مقولة الطاعة وشعارها نصلي وراء المتغلب، فكان الامام الحسين(ع) بوصفه آخر الخمسة الذين خصهم رسول الله ص بهذه المنقبة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. كان عليه، أي الامام الحسين(ع) أن يخرج وحيدا وسط امة غلبت على امرها، وكيفت الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بانه عمل يتم على قدر الاستطاعة، وهذا قول يمكن رده، ولكنني لست معنيا الآن بمناقشة آلية قيام الامة بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يعنيني هو خروج الامام الحسين(ع) آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، لموقعه في الامة ومحورية دوره الرسالي بوصفه آخر أهل الكساء(ع) الذين ما زالت ذاكرة الامة تحتفظ بحيثيات تكونهم وعلاقتهم برسول الله(ص)، ولا سبيل أمامه سوى اصلاح الحال حتى وان كان الثمن باهظا، وفعلا خرج واصلح، إذ بعث الى الامة بكل اجيالها رسالته التي كتبت بدم طاهر زكي في ملحمة إسلامية عظيمة، وعلى الامة ان تتلقى هذه الرسالة، التي لا تعني سوى الاستقامة على الصراط المستقيم، أي الاستقامة على الإسلام والعمل على إزالة كل ما من شأنه ان يزيفه، ومن ثم فالمسلم الحسيني، أي المسلم الذي يتشرف بالانتساب إلى مسيرة الإصلاح الحسينية هذه، متلقيا تلك الرسالة التي كتبت بدماء الامام السبط الشهيد، هو المسلم الحق، وهذا لا يعني أن غيره من الذين لم يتسلموا تلك الرسالة ولم يتشرفوا بالانتساب الى مسيرة الإصلاح تلك، ليس مسلما حقا، فالجميع مسلمون، الا ان المسلم المصلح خير من المسلم المتقاعس، فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، كما قال سيدنا المصطفى(ص) في الحديث الشريف، وعليه فالمسلم الحسيني هو الذي يكون الإسلام نظام حياته، يؤمن به ويعكس ايمانه ممارسة في واقعه، ويكون سلوكه شاهدا على اسلامه، كما قال رسول الله(ص) إنّما الدّين المعاملة.

وعليه فإن احياء أمر الحسين(ع) يجب ان يتم بالإصلاح الذي ذهب الامام من اجله شهيدا، فالمفروض بالمجتمع المسلم الحسيني أن يكون صالحا، خاليا من كل أشكال الفساد، وسؤالي الأخير: هل هذا الصلاح متحقق على مستوى واقعنا؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.